الحياة مضحكة بما فيه الكفاية أحيانا لتصنع صدفاً أوضح من أن تصدق. فأنا عرفت الرمز قبل أن أعرف البطل، وكلاهما أبطال، ولكن بعض الأبطال رموز أيضا، مثل حسين النجار.

قد عرفت حسين النجار ذات يوم في مسقط في قاعة من قاعات الاجتماعات في مسجد السلطان قابوس الأكبر، كانت الدورة بعنوان "أخصائي التدريب المتميز" ولكن تم تغيير الاسم إلى "أخصائي التدريب المُجيد" بسبب التعميم من الإعلام الذي جاء لاحقاً.

دخل هذا الرجل عقلي بشدة، ولمس قلبي بعنف. لم أعهد محاضراً بهذه الكاريزما الطاغية، أو شخصاً يفهم الحياة كما يفهم. عندما فتح باب النقاش جابهته بأسئلة شرسة، أخبرني عن ملامح من قصة حياته، أخبرني عن اليوم الذي خسر فيه وظيفته، وأخبرني عندما صار مدرباً.

لسنوات بقي ذلك الإماراتي هو الوحيد المنزه من صورتي النمطية الخاطئة والقبيحة عن الإنسان الإماراتي أنه مجرد إنسان متخم مرفه بالمال ولا طموح ولا هدف ولا إنجاز له، نعم كنت مخطئاً، ومثل حسين النجار أثبت لي ذلك. الدكتور حسين النجار، بعد سنوات اعتقل في الإمارات بسبب موضوع "الإخوان" وأنا لا تربطني علاقة فعلية به لأثبت أو لأنكر عليه أي شيء، لكنني أعلم علم اليقين أنه بريء كل البراءة مما نسب إليه، كيف أعلم؟ هذا شيء بيني وبين ربي.

لطالما كنت أتذكر الكلمة التي قالها "بسبب مبادئي خسرت وظيفتي" وطفقت ترن في ذهني، وأصبحت من اللحظات التي تعود لعقلي عشرات المرات في اليوم، كان هذا الرجل استثنائياً، وعلمت لاحقا أنه مدرب بارع وحقيقي.

هذا قبل أن أرى الجانب الآخر من الحكاية، عندما سجنت في سجن الوثبة، كان معي في العنبر الشاب الإماراتي صديقي وأخي أسامة النجار، من هذا الإنسان تعلمت أن أحب الإمارات، وأن أحترمها أيضا، ومثلما كان هذا الرجل هو وباقي الأصدقاء الأعزاء في السجن إخوة، تعلمت منهم، وجلست معهم، تحملوني عندما قطع عني الدواء، أوقفوني عن فعل حماقات، كانت تلك ذكريات لن أنساها ما حييت، ذكريات ستظل مكللة بالوفاء والإجلال لبقية العمر.

نعم بسبب هذين لم أعد أكره الإمارات، ولكنني لا أظن أنني أحبها أو سأحبها ذات يوم، لن أنسى ما حدث لي هناك، لكنني أيضا لن أنسى مثل هذا الرفيق الاستثنائي.

أسامة النجار مهندس مدني تخرج بمرتبة الشرف والتفوق، كان يعمل في شركة الميترو ويعمل في تخصص غريب له علاقة (بالتشققات الشعيبية في الإسمنت).. مجال غريب عليّ.

عندما وصلت للسجن وأمام فضول السجناء وخطأ كل سجين، -كعادة كل سجين- يقول كل شيء وهو قادم من الانفرادي، قلت له من ضمن الأشياء أنني مدرب في مجال القراءة السريعة.

كعادة أسامة النجار فإنه يضع كل شيء تحت المجهر، جلب لي كتابا وقرأته وأنهيته، وفي اليوم الثاني وقف هو وخمسة سجناء لاختبار صحة النتائج بعدها تعرفت على عقل مبهر وعبقري، لأسامة ذكاء مهندس فطري، ومع أن والده دكتور جامعي في مادة الفيزياء، إلا أنه أيضاً يملك ذلك الذكاء الذهني الافتراضي، كان لاعب شطرنج ممتاز، وكان يبهر العنبر بذكائه دائماً.

نشأ هناك تنافس غريب بيني وبين أسامة، اثنان أذكياء، واحد قادم من عالم الأدب بقوة اللغة، والثاني قادم من عالم العلم بقوة الأرقام، لكن الإخاء لم يفسد ذات يوم بيننا.

أسامه شخص لن أنساه ما حييت، لن أنسى ذلك اليوم الذي ألقيت فيها قصيدة عنه وقلت في النهاية "رباك أجمل والد يا صاحبي .. والله يمنح للجميل جميلاً".. هناك عشنا تنافساً صغيراً أيضاً، في حفظ القرآن، فبينما أنا حفظت البقرة في خمسة أيام وبأرقام بدايات ونهايات الآيات في كل صفحة (أربعمائة رقم) هو حفظ القرآن كاملاً خلال أربعة أشهر تقريباً.

تعلمت منه الكثير، وعلمني كيف أحفظ القرآن، ومن هناك طورنا مع بعض طرقا جميلة للذاكرة وللحفظ. كانت تجربة واسعة للغاية والكتابة عنها سيأخذ مني سنوات.

لقد أكمل أسامة ما يفترض أنه المدة القانونية للسجن وهي ثلاثة أرباع المدة، وهي المدة التي تسمح له بالعودة للمنزل. ولكن للأسف الشديد تم الاعتراض على خروجه بربع المدة كما كنا نقول في عنبر تسعة عادة، وحكم عليه بإكمال المدة كاملة، وهذا يعني عاماً وعدة أشهر أخرى في الحبس.

لم يكن عنبر تسعة، عنبر تسعة بدون الذاكرة الكبيرة بيني وبين أسامة وبين صديقين آخرين. هؤلاء أصبح بعضهم أصدقائي للأبد ولحسن الحظ معظمهم خرج براءة.

نحن الآن أحرار طلقاء في المنازل، لكن مثل أسامة هناك في عنبر تسعة المغبر المزدحم، يغسل ملابسه في طشت، وتراه يمشي طوال الوقت وهو يسمع القرآن على يد حافظ القرآن الأكبر هناك.. ياااااه.. ومن يستطيع أن يكره الإمارات بعد أن يعيش مع هؤلاء؟ كل الحب لهم.

أتمنى أن نرسل رسائل التماس إلى مكتب ولي عهد أبو ظبي، نوقعها ككتاب شباب، ونكتب رسائل لطيفة لعل ذلك يساهم في تحريك شيمة العفو التي لا تخلو منها الإمارات، لعل ذلك يعيد هذا البطل، الذي دخل السجن دفاعاً عن والده، هذا الإنسان الذي علمني الكثير، وما زال يعلمني دون أن يدري.

إلى اللقاء يا أسامة، إلى يوم من الأيام.. نلتقي فيه أحراراً..

أخوك: معاوية العماني / شاعر عنبر تسعة

رابط مختصر : http://uaedetainees.org/post/46

منشورات ذات صلة