مرت أربع سنوات على قضية “الإمارات 94″، القضية التي دفع فيها نخبة من أبناء دولة الإمارات الثمن غاليا بسبب مطالبتهم بالتغيير و الاصلاح و المزيد من الحريات.

في هذه القضية لم تتوان السلطات الاماراتية في هجمة شرسة عن الزج  بالعشرات من دعاة الإصلاح في سجونها  و كان بينهم عدد من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان، والقضاة، وأساتذة الجامعات، والقيادات الطلابية ،وما زالت جذور القمع في البلاد مستمرة وخصوصا بعد إصدار قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لسنة 2012، والذي اتخذته الحكومة أداة لتكميم أفواه النشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرهم من دعاة وأنصار حرية التعبير على الإنترنت، وكذلك بصدور قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2014، الذي يتضمن تعريفاً مبهماً وفضفاضاً للإرهاب، يجرِّم طائفة واسعة من الأنشطة، بما في ذلك تلك التي تكفلها وتصونها معايير حقوق الإنسان، باعتبارها من قبيل الإرهاب، مما يجعل بالإمكان استخدام هذا القانون في إنزال عقوبات غليظة بالسجن أو حتى الإعدام بحق المدافعين عن حقوق الإنسان أو منتقدي الحكومة.

الذكرى الرابعة لمحاكمة أحرار الإمارات

ففي 4 مارس/آذار 2013، وأمام دائرة أمن الدولة بالمحكمة الاتحادية العليا، ٍمثل 94 متهماً من بينهم ثمانية وُجِّهت إليهم التهم وحوكموا غيابياً؛ وفي هذه المحاكمة الجماعية وجهت السلطات إلى المدعى عليهم تهمة إنشاء تنظيم يهدف إلى قلب نظام الحكم، غير أنهم أنكروا هذه التهمة بالإجماع، ولم تفِ هذه المحاكمة بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وكانت محل تنديد واسع من قبل المنظمات الحقوقية وهيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، ومن بينها الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، فقد قبلت المحكمة أدلة إثبات معظمها “اعترافات” أدلى بها المدعى عليهم أثناء اعتقالهم قبل المحاكمة. وقبل قبول تلك الأدلة، لم تلزم المحكمة الادعاء بأن يثبت بما لا يدع مجالاً لقدر معقول من الشك أن تلك “الاعترافات” قد تم الحصول عليها بالسبل المشروعة، وأن المتهمين قد أدلوا بها بمحض إرادتهم دون إكراه.

كما تقاعست المحكمة عن اتخاذ الخطوات اللازمة للتحقيق، أو لإصدار أمر بإجراء تحقيق فوري ومستقل ونزيه وشامل فيما ادعاه المتهمون من أن محققي أمن الدولة قد أجبروهم، تحت وطأة التعذيب أو غيره من أشكال سوء المعاملة، على الإدلاء بشهادات كاذبة يجرمون بها أنفسهمأو غيرهم خلال الشهور التي قضوها رهن الاعتقال في أماكن سرية بمعزل عن العالم الخارجي، دون السماح لهم بالاتصال بمحاميهم أو بالعالم الخارجي. كما حُرم المتهمون من حقهم في الطعن في الأحكام الصادرة ضدهم أمام محكمة أعلى درجة؛ إذ ينص القانون الإماراتي على أن القرارات الصادرة عن المحكمة الاتحادية العليا هي قرارات نهائية لا يجوز الطعن فيها.

وفي 2 يوليو/تموز 2013، أصدرت المحكمة أحكاماً بإدانة 69 من المتهمين الأربعة والتسعين، بمن في ذلك الثمانية المحاكمون غيابياً، وببراءة 25. وكان من بين المتهمين كثيرون من الأشخاص المرموقين في شتى مجالات تخصصهم، كالقانون والتعليم والتدريس الجامعي وقطاع الأعمال، فضلاً عن المستشارين الحكوميين. وأصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن تتراوح بين سبع سنوات و15 سنة، بحق الكثير من الشخصيات المرموقة، ومن بينهم أستاذ القانون والمحامي البارز المدافع عن حقوق الإنسان الدكتور محمد الركن الذي ألف عدداً من الكتب والمقالات الأكاديمية حول حقوق الإنسان وحرية التعبير وقوانين مكافحة الإرهاب؛ والمحاميان الشهيران الدكتور محمد المنصوري وسالم الشحي؛ والقاضي محمد سعيد العبدولي؛ وأستاذ القانون والقاضي السابق الدكتور أحمد الزعابي؛ والمحامي والأستاذ الجامعي الدكتور هادف العويس؛ والشيخ الدكتور سلطان بن كايد القاسمي، وهو من كبار أفراد الأسرة الحاكمة في رأس الخيمة؛ ورجل الأعمال خالد الشيبة النعيمي؛ ومدرس العلوم حسين علي النجار الحمادي؛ والمدون والمدرس السابق صالح محمد الظفيري؛ وعبد الله الهاجري، وهو من قادة العمل الطلابي؛ والطالب والمدون خليفة النعيمي، الذي كانت لديه مدونة نشطة قبل اعتقاله، يستخدمها في التعبير عن انتقاده لوضع حقوق الإنسان في الإمارات، والأسلوب القاسي الذي يمارسه جهاز أمن الدولة.

وقد كان  سبعة نشطاء يعرفون باسم مجموعة “المواطنون السبعة " ممن شملتهم قائمة المدانين في هذه المحاكمة وهم الذين سحبت جنسيتهم على نحو تعسفي عام 2011، وأمروا بمغادرة البلاد. والسبعة هم: الخبير الاقتصادي أحمد غيث السويدي؛ والمدرس حسين الجابري؛ وحسين الجابري، وهو موظف قديم بوزارة الدولة لشؤون الرئاسة؛ والمدرس إبراهيم حسن المرزوقي؛ والمدرس السابق شيخ محمد الصديق؛ والدكتور شاهين عبد الله الحسني؛ والدكتور علي حسين الحمادي.

وأثناء المحاكمة، اتخذت السلطات خطوات لمنع أي تغطية أو تقارير مستقلة عن وقائع المحاكمة؛ إذ لم تسمح لمراسلي وسائل الإعلام الدولية والمراقبين المستقلين للمحاكمة بالدخول، ورفضت السماح لمراقب مستقل موفد من منظمة العفو الدولية بدخول الإمارات قبيل بدء المحاكمة. وأوفدت اللجنة الدولية للحقوقيين اثنين من المراقبين المستقلين لحضور المحاكمة ولكن مسؤولين أمنيين يرتدون ثياباً مدنية ردوهما على أعقابهما قبل وصولهما إلى مقر المحكمة الاتحادية العليا.  كما منعت السلطات الإماراتية مراقبة دولية أخرى مكلفة من قبل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومركز الخليج لحقوق الإنسان، ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان – منعتها من حضور الجلسة النهائية للمحاكمة في 2 يوليو/تموز 2013، رغم ما أفادت به السلطات سابقاً من أنها سوف تسمح لها بالحضور.

كما منعت السلطات بعض أقارب المتهمين من دخول قاعة المحكمة؛ أما الآخرون الذين سُمح لهم بالحضور فقد تعرضوا للمضايقة أو الاعتقال أو السجن بعد انتقادهم إجراءات المحاكمة، ونشرهم علناً ادعاءات التعذيب التي أدلى بها المتهمون على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي.

الانتهاكات طالت أبناء المعتقلين 
أسامة النجار، وهو من نشطاء الإنترنت وابن  المعتقل حسين علي النجار الحمادي، فقد اعتُقل في مارس/آذار 2014، وقُدِّم للمحاكمة بتهم تتعلق برسائل نشرها عبر تويتر مدافعاً فيها عن والده المتهم في قضية “الإمارات 94”. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014، حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وبغرامة باهظة، بتهم من بينها “تصميم وإدارة موقع إلكتروني عبر مواقع التواصل الإلكتروني بهدف نشر أفكار ومعلومات غير دقيقة وساخرة وتشهيرية تضر بهيكل مؤسسات الدولة”، و”التهجم على الدولة” و”التحريض على كراهية الدولة”، و”الاتصال مع منظمات أجنبية وتزويدها بمعلومات غير دقيقة” بشأن قضية “الإمارات 94″، والظروف المعيشية داخل سجن الرزين، وقد أنهى مدة محكوميته إلا أن السلطات رفضت الإفراج عنه ووضعته في مركز المناصحة تحت حجة "مازال يشكل خطرا على الدولة".
في هذه الذكرى الرابعة لقضية "الإمارات94" لا يزال الواقع الحقوقي في الامارات على حاله حيث يستمر القمع في مناخ من الخوف الذي نجحت السلطات في بثه من خلال التجسس والاعتقالات المتواصلة والاحكام الجائرة التي أصدرتها بحق العديد من النشطاء.
ولم تكتف حكومة الإمارات بكافة الإجراءات القمعية والتعسفية التي ارتكبتها بحق أصاحب الرأي والمدونين والسياسيين من مواطنين إمارتيين وأجانب والتي تمثلت بالإختفاء القسري والتعذيب وعرض المتهمين على محاكم استثنائية وإصدار أحكام جائرة وصلت إلى أكثر من خمسة عشرة سنة في إطارات محاكمات غابت عنها النزاهة والشفافية.
رابط مختصر : http://uaedetainees.org/post/99

منشورات ذات صلة